محمد هادي معرفة

534

التمهيد في علوم القرآن

وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ « 1 » وقوله تعالى : وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ « 2 » إلى غير ذلك من الأخبار التي يكون إسنادها إلى فاعلها على جهة الحقيقة . ( الثاني ) أن يكون الإسناد على جهة المجاز العقلي ، والمراد من هذا هو أنّ إسنادها إلى فاعلها يقضي العقل باستحالته ، فلا جرم كان مجازا عقليا ، وهو في القرآن كثير ، ويقال له المجاز المركّب ، والغرض أنّ مجازه ما كان إلّا من أجل تركيبه ، وهذا كقوله تعالى : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها « 3 » فإنّ الإخراج حقيقة في الدلالة على معناه ، والأرض حقيقة ، لأنها موضوعة على معناها الأصليّ ، والمجاز إنّما نشأ من جهة إسناد الإخراج إلى الأرض . وهكذا قوله تعالى : وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً « 4 » فإنّ قوله « تليت » دالّة على حقيقته ، والآيات على حقيقتها ، لكن المجاز جاء من جهة إسناد ( تليت ) إلى الآيات « 5 » ، ونحو قوله : حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ « 6 » فالأخذ على حقيقته ، والأرض على حقيقتها ، لكن المجاز حاصل من جهة إسناد الأخذ إلى الأرض ، وقوله تعالى : يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ « 7 » في قصّة فرعون ، فإنّ الذبح والأبناء دالّان على معنييهما بالحقيقة ، لكن المجاز إنما كان من أجل إسناد الذبح إلى فرعون ، وليس ذابحا ، وإنما الذابح غيره ، وهكذا حال الاستحياء في قوله تعالى : وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ . فهذا ما أردنا ذكره من بيان ما يتعلّق بمطلق الإسناد ، ولنردفه بما يتعلّق

--> ( 1 ) النور : 45 . ( 2 ) النحل : 51 . ( 3 ) الزلزلة : 2 . ( 4 ) الأنفال : 2 . ( 5 ) هذا سهو ، وإنما المجاز العقلي في قوله تعالى : زادَتْهُمْ إِيماناً ( 6 ) يونس : 24 . ( 7 ) القصص : 4 .